محمد السباعي : Worth reading :

كتب : محمد السباعي

أطفال يرتلون أمام مبنى ضخم وعربات تحمل الرمال وشباب يحملون العصي وهتافات “بالروح بالدم نفديك يا صليب” ورسالة الأنبا بيشوي بالإستعداد للإستشهاد من أجل الكنائس ومن أجل الصليب… هذا المشهد تم تنفيذه وتصديره لمئات المواقع المسيحية بمصر وهو مشهد يلهب القلوب ويخلق نوعاً من التعاطف والمسئولية والذنب لكل من يراه، التعاطف مع الأطفال الذين خرجوا من بيوتهم الفجر للصلاة والترتيل أمام “كنيسة” من وجهة نظر تصدير الخبر، والتعاطف مع الفقراء في منطقة عشوائية على إستعداد لبذل الدماء في سبيل الحصول على دار للعبادة، والمسئولية بسبب عدم مشاركتهم الحدث… مما ينتج عنه عدم رؤية ماعدا ذلك الحدث وكل من يدعمه يصبح متديناً وكل من ينقده يصبح سيئاً…

وصلني الخبر برسالة قصيرة بالتحذير من المرور بالطريق الدائري لوجود إضطرابات وتم قطع الطريق وتهشيم السيارات، وبدأت في البحث عن الخبر فوجدت سيل من المعلومات على المواقع التبشيرية القبطية والمواقع المعتدلة والمواقع الإخبارية وتصريخات مسئولين أمنيين ومواقع إسلامية…

وبدا الموضوع كأنه ثورة الأقباط في مصر وصراعها من أجل التحرر من القبضة الأمنية والإضطهاد الديني، وبدا للأقباط أن شباب العمرانية هم من يضحون بأنفسهم في سبيل رفعة ونصرة الدين في مصر… بينما الحقيقة تختلف تماماً عن الواقع المصدر إعلامياً بأكثر من طريقة.

الواقع من وجهة نظر الأقباط هو إستبسال 3000 شاب قبطي في صراع دموي مع قوات الأمن من أجل حماية كنيسة العمرانية من بطش الأمن المضطهد للمسيحيين في مصر.

الواقع من وجهة نظر الأمن هو تجمهر 3000 شاب بالعمرانية وقطعهم الطريق الدائري ومبادرتهم بإستخدام العنف ضد الأمن مما إضطرهم للتعامل معهم.

الواقع من وجهة نظر المسلمين أن الأقباط ممولين من مصادر أجنبية لخلق “صربيا” جديدة أو خلق إنفصاليين جدد ورسالتهم الإعلامية “لسنا لبنان أو السودان أو صربيا”

الواقع من وجهة نظر المارة “المصريين” بإختلاف دينهم هو وجود بلطجية على الطريق الدائري يقومون بتهشيم السيارات وإصابة المارة وإحتجاز الرهائن.

الواقع من وجهة نظر المواطنين المصريين الشرفاء أن مايحدث هو عبث سياسي أمني لخلق بلبلة داخلية يستفيد منها النظام في تفرقة أواصر الشعب وتحقيق أهدافه القمعية بحبس العفريت أو إطلاقه وقتما شاء.
والحقيقة التي يغايرها الواقع هي أن مبنى العمرانية ليس كنيسة بل مبنى خدمي وليس مرخص كدار عبادة وتم إضافة عناصر إنشائية بهدف تحويله لكنيسة وتعليق صور الرئيس على المبني برسالة أن كنيسة العمرانية تبايع الرئيس مبارك فتم إيقاف العمل بالمبنى لكون الإضافات مخالفة للرسومات المقدمة للترخيص أي أن هناك مشكلتين تتعلقان بالترخيص الأولى هي مخالفة البناء للرسومات والثانية هي تحويل مبنى لدار عبادة والمشكلة الأولى مخالفة تشريعية لقوانين البناء والثانية مشكلة سياسية تتعلق في الأساس بتراخيص دور العبادة، وبالتالي فإن الحشد الموجه هو حشد مضلل.
تابعت أغلب المواقع الدينية المسيحية بعد الحدث ودارت نقاشات متعددة مع الكثير من المثقفين المصريين مسلمين وأقباط ولن أتطرق لنقاط الخلاف في النقاش بل أود التطرق لنقاط الإتفاق وهي التي أثارها أكثر من مثقف مصري مسيحي الديانة وكانت لفظاً “أن المسلمين في العمرانية كانوا بدرجة رقي سياسي فلم يبلعوا الطعم الأمني الغبي فكان موقفهم ما بين الإمتناع عن المشاركة في الحدث أو مساعدة إخوانهم المسيحيين في مواجهة رجال الأمن”

من المثير جدا هذا التعبير “الطعم الأمني” وبالفعل تلك ملاحظة مهمة فلم يحدث صدام طائفي بالعمرانية وبرغم تعدي المتظاهرين على حرمة الطريق وترويع الآمنين وهو أمر لا يخالف القانون فقط بل يخالف طبيعة الشخصية المصرية لكن الحدث فعلياً لم يكن الهدف منه ترويع الآمنين بل الصدام الأمني… لم تكن أيضاً المظاهرة تهدف إلى الصدام الطائفي بل كانت محددة الهدف وهو الضغط على النظام لإستخراج تصريح دار عبادة لمبنى مرخص ترخيص مبنى خدمي…

ولفهم ما يحدث يجب تحليله في سياق أحداث جارية وليس منفرداً، وكل ما هو جاري الآن يعبر عن حالة “إستنفار” وحالة الإستنفار غير منظمة أو موجهة وتسمح بإنفلاتات قد لا يحمد عقباها بشكل أو بآخر…

موقف الحزب الحاكم وموقف النظام الذي يتبنى حملة “مساندة النظام” من أجل إستقرار الوطن فالوطن يتعرض لإستهداف خارجي يهدد أمنه وإستقراره والغريب أن الدكتور مصطفى الفقي ينشر له تصريحاً بجريدة الشروق يبلغنا فيه أن رئيس الموساد أعلن أكثر من مرة أن الموساد هو المسئول عن أحداث الفتنة الطائفية في مصر ويكون هذا التصريح تعقيبا على أحداث العمرانية وفي هذا السياق يمكن تفسير الكثير ولكن قبل البدء في التفسير أقول للدكتور المسئول عفوا فلم يكن حدث العمرانية حدث طائفياً ومن الخطأ سياسياً أن نصفه بالطائفي ولوضع الأمور في نصابها فهو حدث سياسي فئوي قامت به فئة من الشعب لتضغط سياسيا على النظام وتحقق ملصلحة فئوية لا علاقة لها بمفهوم الطائفية ولكن يبدو أن التصريح كان مسبق التجهيز…

الموقف التالي في سياق الأحدث هو تصريح الدكتور مصطفى الفقي أيضاً بالمصري اليوم عن قيام حماس بإنشاء إمارة إسلامية بغزة على الحدود المصرية وبأنهم أحد فروع الإخوان المسلمين مما يشكل خطورة على الأمن والإستقرار الداخلي وتصريح آخر من رئيس حزب التجمع بالهجوم على الإخوان ومساندة الحزب الوطني…

أيضاً يمكنني قراءة تصدير الترويع الأمني في كافة أحاديث أعضاء ومناصري الحزب الوطني كلما إقتربنا من الإنتخابات البرلمانية والجو العام المصدر أن هناك مجموعة من الأخطار يجب التصدي لها سوياً ومن السياق أجد ضرورة لسرد تلك المخاطر:-
- الجمعية الوطنية للتغير وتمويلها من الخارج والتي تهدف إلى تحويل مصر لولاية أمريكية….
- دور أقباط المهجر في الحشد والتمويل لإحداث فتنة طائفية في مصر…
- تهديد المد الشيعي الممول من إيران
- تهديد المد الوهابي الممول من السعودية
- رفض مصر التدخل الأمريكي في سياستها والتحذير من الليبرالين الجدد الذين يريدون لمصر أن تكون عراقاً أخرى
- تجمع 6 أبريل الممول تمويل مشبوه لزعزعة الأمن الداخلي
- حزب الغد وشبهات التمويل الأجنبي
- اكاديمية التغيير ودورها في نشر ثقافة الفوضى وإثارة الشغب
- تهديد أثيوبيا لمصر

وسياسة نشر الرعب والخوف من التفتيت والتدخل الأجنبي يتوجه في النهاية تصريح الدكتور مصطفى الفقي سأعود إليه بعد ربط حدث العمرانية بالأحداث التي ذكرتها…

حدث العمرانية لو تم بشكل عفوي نابع من غضب فئوي فسيكون له توابع أقل حدة أو أكثر حدة لكن التوقف التام بعد الحدث يشير سياسياً لترتيب يبدأ وينتهي بالحدث ولكن ما الهدف السياسي من الحدث؟ وأعود لنقطة “الطعم الأمني” وهنا لا أتهم الأمن بأنه من دبر الحدث من الأساس أو أن المتظاهرين مدفوعين من قبل الأمن لتنفيذ هذا التصعيد، لا… لن أتهم الأمن بذلك ولكن أقول أن الأمن هو من سمح بحدث ذلك هو من أوجد المساحة لمثل هذا التحرك ولم يتعامل مع التجمهر من البداية وفي الواقع الأمن قادر على وأد الحدث قبل إندلاعه…

لكن ربط الصورة الإعلامية للحدث والذي وصفه الدكتور مصطفى الفقي بأنه طائفي وهنا أتسائل لما تم وصفه بأنه طائفي؟؟؟ هل لأنه كان مخططاً له أن يكون طائفي؟ خاصة أن التصريح كان في نفس يوم الحدث والمنطقي أن يوصف حدث قطع الطريق بالإجرامي وليس بالطائفي ولكن اللفظ الذي ذكره الدكتور الفقي هو “طائفية”

وأعتقد أن الأمور تبدأ في الإتضاح تدريجياً وأعود للتعليق مرة أخرى “الطعم الأمني” والسؤال طعم لمن؟ والإجابة أن الطعم مقصود أن يكون للمسلمين بالعمرانية وأن يتحول الحدث لصدام مسيحي إسلامي داخل الكردون الأمني ينتهي بالتعامل الأمني مع الطرفين وإلا لما سكت الأمن المتواجد في المنطقة من الساعة السادسة وحتى منتصف النهار…
ولا أرى خطورة من الحدث بقدر ما أرى خطورة من ربط الأحداث ليساهم حدث العمرانية في تدعيم فكرة الزعر الأمني الداخلي، والخطورة هنا في حالة الإستنفار التي يدعمها الأمن ويدعمها النظام لتصدير فكرة أن النظام هو السبيل الوحيد لحماية الأمن الداخلي وأن وحدة المصير تدفعنا كشعب للوقوف خلف النظام والحزب الحاكم ضد الإخوان والليبراليين وأقباط المهجر والغد و6 إبريل وربما ضد أنفسنا أيضاً وفي كل مرة يحاول النظام بتأكيد فكرة وجود التهديد الأمني فإنه يسمح بدرجة من الإنفلات تتصاعد حدتها ويأتي تصريح الدكتور الفقي ليزيد المسئولية ويصعبها وأعتبر التصريح إدانة للنظام بقدر يفوق التصور فكيف نصرح بأن رئيس مخابرات إسرائيل أعلن أكثر من مرة أنها المسئولة عن إشعال الفتنة الطائفية فالمنطق يقول أن يخبرنا الدكتور مصطفى الفقي عن رد فعل النظام السياسي على تصريحات رئيس المخابرات الإسرائيلية قبل مطالبتنا كشعب بالتصدي لها…

وأعود مرة أخرى لحالة الإستنفار والتي تظهر في تخبط قرارات النظام وتحركاته وتصريحاته ويقابلها حالة إستنفار من مدعيي التغيير ويوازيها حالة إستنفار تظهر في بيانات الإخوان المسلمين وفي خلفيتها حالة إستنفار شعبي متخبط ما بين إعتراضه على النظام وبين خوفه من الفوضى والخطير هو عدم القدرة على الإستقراء من المعطيات المتاحة فبحساب مصفوفة الإحتمالات بوجود إنفلات من كل تلك التيارات في آن واحد مع إنفلات سياسي أمني يجعل من المستحيل التنبوء بشكل الدولة بعد فبراير 2011

Leave a Reply