كيف تلعب الأحداث بالكلمات

كيف تلعب الأحداث بالكلمات
د عصام عبدالله

ما قاله الرئيس الروسي “فلاديمير بوتين” تحت سقف الأمم المتحدة في دورتها 67 “قول حق إلا قليلا”: “ما يحدث في تونس وليبيا ومصر ليس ديمقراطية، وعليكم أن تكفوا عن التمثيل، فأنتم تدفعونهم للوراء بعيدا”. هذا الكلام لا يخرج عن إطار “تجاذبات ميزان القوي العالمية” ولا يمكن إعتباره الأكثر “صدقا” أو حرصا علي (مصلحة العرب) في الثورة والتحول نحو الديمقراطية، روسيا الناهضة بسرعة الصاروخ، دولة كبري لها “مصالح” وليست “مؤسسة خيرية”، فالشعب السوري يقتل بالسلاح الروسي و” الفيتو ” الروسي – الصيني أيضا.

“بوتين” أراد أمام المحفل الدولي “تثبيت” ما سبق وقاله العجوز (أبو لسان فالت) ” هنري كيسنجر ” مستشار الأمن القومي الأمريكي ووزير الخارجية الأشهر في مرحلة الحرب الباردة، متحديا روسيا والصين: “نعم، نحن وراء الثورات في تونس ومصر وليبيا، ليس من أجل عيون العرب وإنما بسبب ” سوريا “، ساحة الحرب العالمية الثالثة “الباردة” التي ستسخن بعد شهور”.
ما لم يذكره “بوتين” ولا “كيسنجر” هو أن حركة الأحداث في الشرق الأوسط تعيد صياغة موازين القوي في العالم بالمثل. أن هذا ما يخشاه الأمريكيون كما يخشاه الروس والصينيون بالمثل، وهو ما يفسر حالة الفوضى العالمية وعدم اليقين الدولي التي زادت في العامين الأخيرين 2011 – 2012 إلى حد الإنذار بفوضى عارمة. القوي العظمي تخشي الفوضى بينما تراهن القوي الإقليمية على هذه الفوضى لإرباك الأقوياء على أمل تحقيق مكاسب من التغييرات التي تموج بها المنطقة.
اللافت للنظر أن التحول نحو نظام عالمي ظهر في المسافة الفاصلة بين إعلان الرئيس الروسي بوتين في مطلع هذا العام 2012 عن أفول نجم القطب الواحد، وإعلان الرئيس أوباما في مطلع نفس العام 2012: أن استراتيجية أمريكا الجديدة يجب أن تبقى في حالة حذر في (سوريا). “بوتين” حذر البيت الابيض قائلا: “ان روسيا سوف تستخدم القوة في تصديها لأي تدخل عسكري خارج القانون، يمكن أن يقدم عليه حلف شمال الأطلنطي “الناتو في سوريا “، وهنا (مكمن الأزمة المركبة في سوريا) والتي تعني أن وجه العالم قد تغير: أفول عالم القطب الواحد ودخولنا عالم متعدد الأقطاب (الولايات المتحدة والصين وروسيا وربما الهند)، وأن حل هذه الأزمة في سوريا لن يتم التوصل إليه إلا بعد بلورة النظام العالمي الجديد و(رضا) كل طرف بمكانته الجديدة.
لم أتوقف كثيرا أمام “تصريحات أوباما” عن “الأقباط” و”اليهود” و”الشيعة” في كلمته أمام الأمم المتحدة، فقد صمت “دهرا” ونطق “مكرا” وهو يلعب بهذه الأوراق لأسباب انتخابية لا أكثر. “اضطهاد الأقباط” بعد 25 يناير 2011 (بالمستندات والصور وأشرطة الفيديو) فاق كل الأرقام المسجلة علي امتداد القرن العشرين كله، ووصل إلي حد الإبادة والتهجير الجماعي (وآخرها ما حدث في ” رفح ” للأسر القبطية) بعد ساعات قليلة من كلمتي الرئيس الأمريكي أوباما والرئيس المصري محمد مرسي أمام الأمم المتحدة، التي أدان فيها (الأول) اضطهاد الأقباط وأنكر فيها (الثاني) هذا الاضطهاد.
لذلك لن ننخدع بعبارات “أوباما” الاستهلاكية بعد أن تم الكشف مؤخرا علي لسان الوسيط “جيمي كارتر” رئيس الولايات المتحدة السابق عن (التفاهمات الموثقة) بين أمريكا والإخوان .. فهؤلاء هم الأمريكان (ورثة بريطانيا العظمي) في الشرق الأوسط: في البداية ينشئوهم (الإخوان المسلمين – حماس والقاعدة) ثم يمولوهم ثم يدعموهم للوصول للحكم ثم يتركوهم يمارسون عنصريتهم وتطرفهم ثم يتهموهم بإضطهاد الأقليات ثم يجدون المبرر القوي لغزو بلادنا حماية للأقليات والشعوب (بالقانون) وليس خارج القانون.. كما يحذر “بوتين”!
المفارقة هنا أن مظاهرات أقباط المهجر أمام الأمم المتحدة بنيويورك (يوم 26 سبتمبر الجاري) كانت تقف جنبا إلي جنب مع المعارضة الإيرانية و”مجاهدي خلق”، تري: هل المخاوف والمعاناة من الثيوقراطية و”الفاشية الدينية” الإيرانية والإخوانية هو السبب؟ لماذا أصبحت الثورة في مصر عام 2011 – وبقدرة قادر – كأنها امتداد للثورة الإسلامية في إيران عام 1979؟ هل حسم الإخوان المسلمون اختيارهم بالفعل ما بين تركيا وباكستان وإيران، لصالح الخومينية والمرشد الأعلي؟ .. هل وجود تنظيم القاعدة والحرس الثوري في “سيناء” هو التجلي الأبرز للتعاون والتنسيق بين الفاشيتين الدينيتين (عسكريا) عبر “أنفاق غزة”؟ ان قتل أهلنا من “البدو” وجنودنا في “رفح” (قبل الإفطار في رمضان الماضي) ثم التهجير الجماعي (للمسيحيين) المصريين من (نفس المدينة الحدودية) قبل أيام .. أكبر (وأخطر) من كل “الكلمات”!
dressamabdalla@yahoo.com

Leave a Reply