الغالبية المتحضرة والغالبية المتحجرة

الغالبية المتحضرة والغالبية المتحجرة

الغالبية فى أى بلد تستطيع، بحكم عددها ونفوذها ، أن تتحكم فى الأقلية فتظلمها وتضطهدها وإن شاءت تبيدها من الوجود. ومن هنا جاءت مبادىء حقوق الانسان ونظم الحكم الحديثة التى أعطت الأقليات حقوقا خاصة تحميها من بطش الغالبية. وبالتالى أصبحت الحريات فى المجتمعات المتحضرة جزءا من ثقافتها، والمواطن هناك الذى ينتمى للغالبية تجده يحترم حقوق الأقليات، ليس فقط خوفا من مساءلة القانون، ولكن تقديرا منه لقيم المساواة والعدالة التى تعوّد عليها فأصبحت جزءا لا يتجزأ من شخصيته.
ولكن قد حدث تغيير فى تلك المجتمعات على الاتجاه المعاكس، فان بعض الأقليات هناك، قد تغولت لدرجة ان الغالبية أصبحت هى من تطالب بحقوقها منها. ولذلك اطلق على الغالبية فى الولايات المتحدة اسم الغالبية الصامتة لأنها يندر ان تعترض فى وجه تعديات الأقلية على حقوقها. ولكن هذا قد تغير الآن، وما يلى مثال على ذلك.
الموضوع الذى يتردد على كل لسان فى الولايات المتحدة فى هذه الأيام يتعلق بمطاعم “شيك فيل ايه” Chick-fil-A المتخصصة فى ساندوتشات الفراخ ذات الطعم المميز والتى تنتشر فروعها على نطاق الولايات المتحدة. أحد الشركاء الستة فى ملكية هذه المطاعم وهو يشغل أيضا منصب مديرها العام هو “دان كاثى” Dan Kathy وهو أمريكى مسيحى متدين ومتمسك بعقيدته لدرجة انه يغلق مطاعمه يوم الأحد، كما يتبرع بجزء من دخل المطاعم للاعمال الخيرية والدينية. ولكن الرجل وجد نفسه فجأة وبدون انذار فى مواجهة مع أقلية عنيفة وهى جماعة المثليين الجنسيين الذين ينادون بحقهم فى الزواج رجل برجل أو امراة بامرأة. هذا مع ان كاثى لم يسىء لأحد منهم، فلهم الحق فى الاكل داخل مطاعمه بل والعمل فى هذه المطاعم.
كان كاثى- مثل أى مسيحي ملتزم- يؤمن ان الزواج كما رسمه الله هو ارتباط بين رجل واحد وامرأة واحدة. وفى يوم من الأيام سؤل عن رأيه فى الموضوع فقال رأيه بصراحة وبشجاعة بل أضاف انه يدعم بتبرعاته من دخل المطاعم منظمات مسيحية كثيرة منها تلك التى تشجع على الزواج التقليدى المسيحى، وهذا حقه القانونى. وهنا فتحت علي الرجل أبواب جهنم من المثليين الذين أعلنوا مقاطعتهم لمطاعمه. بل وفى محاولة لاجبار هذه المطاعم على أن تغلق أبوابها تجمعت الآلاف من المثليين أمام كل فرع من المطاعم فى أمريكا للتظاهر واحداث الشغب لارهاب الزبائن ومنعهم من الدخول فى هذه المطاعم. وكان هناك بالتالى احتمال ان استمرت التظاهرات افلاس المطاعم أو تعرضها لخسارة مالية ضخمة.
وأمام هذه الضجة استيقظ العملاق النائم فقررت الغالبية الصامتة أن تفتح فمها وتتكلم فقد تجاوز المفترون حدودهم. وقررت الغالبية ان تعلن انها هى أيضا لها حقوق يجب مراعاتها، وهى لن تفرط فى حقوقها ولن تسمح لأحد باضطهادها ، فلديها وسائلها التى تستطيع بها ان تحمى نفسها دون ان تسىء لأحد. وقرروا تنظيم يوم أسموه “يوم التقدير لمطاعم شيك فيل ايه” على نطاق الولايات المتحدة كلها. فانطلق مئات الالاف من المسيحيين ممن يكونون الغالبية الصامتة كل الى فرع االمطعم المجاور ليشتروا منه ساندوتشات الفراخ ويتحدوا بذلك المتظاهرين. امتلأت المطاعم بالزبائن ومن لم يجد له مكان اضطر ان يقف فى الطابور الطويل ليشترى ما يريد وياخذه للاكل فى المنزل. وتحولت الخسارة المؤكدة الى مكاسب لم تخطر لهم على بال.

الملاحظ ان الغالبية الصامتة المتحضرة فى الولايات المتحدة لم تتجنى على الأقلية المتغولة أو تحرمها من حقوقها، ولم تحاول الانتقام منها بل حاولت مجرد درء شرها. فى المقابل فان نظرة على ممارسات الغالبية فى مصر يدرك ان هناك عناصر ضمن هذه الغالبية قد تغولت وتوحشت وتحجرت فهى تكفر وتضطهد المسيحيين بل كل من لا يتفق مع تفسيرهم الضيق للدين من بين المسلمين. ومن يتابع ما حدث للاقلية القبطية فى العقود الأخيرة وبالذات فى العام والنصف الماضيين يجد هناك تصاعد لأعمال العنف والبلطجة ضدهم لا لشىء سوى اختلافهم فى العقيدة. وسوف لا أعدد هنا ذكر قائمة الاعتداءات فهى طويلة ولكن أكتفى بذكر مجرد مثلين حدثا منذ أيام.
· قدم محامى من مدينة الاسكندرية اسمه شريف جادالله بلاغا الى النائب العام يقول فيه انه بما أن المسيحيين يؤمنون بالسيد المسيح على انه ابن الله فهم بالتالى مشركون وكفار وهم ليسوا المسيحيين او “النصارى” الذين يتكلم عنهم القرآن ويدع أحيانا الى التسامح معهم.والدليل على ذلك ان أقباط مصر يجاهرون بايمانهم بالتثليث ولذلك يجب ان يحرموا من أن يكون لهم رأى فى كتابة الدستور الجديد.
أعلم ان السيد شريف جادالله مخطىء فى فهمه للعقيدة المسيحية. فالمسيحية لا تنادى ان الله تزوج وأنجب (وحاشا لله) كما ان المسيحيين لا يعبدون ثلاثة آلهة، فهذا يعتبرونه كفرا، وهم يكررون فى كل لحظة ايمانهم بالاله الواحد. والشرح اللاهوتى لمن يريد ان يفهم باخلاص حقائق الايمان المسيحى متوفر فى مئات المؤلفات. ومع انهم يسعدهم ان يفهم الآخرون حقيقة ايمانهم ومع ذلك فان حقوقهم المدنية لا يجب ان ترتبط بمقدرتهم على تبرير حقائق ايمانهم لأحد، فايمانهم يخصهم وحدهم، وحقوقهم لا يجب ان تبنى على قبول أو رفض أى انسان لعقيدتهم.
· تجمع عدد كبير من السلفيين أمام كنيسة مارجرجس بقرية “الدرملى” بمركز بنى سويف اعتراضا على أعمال الترميم بالكنيسة لتغيير سقف الكنيسة واجبروا كاهن الكنيسة على التوقف عن العمل فى الترميم والتوقيع على اقرار بذلك. هذا رغم حصول الكنيسة على رحصة ترميم موقع عليه من محافظ بنى سويف السيد ماهر بيبرس.
ولا أدرى ما هى مصلحة هؤلاء فى وقف ترميم سقف آيل للسقوط داخل كنيسة يتعبد فيها الناس الى الله؟ أى كراهية هذه التى لا يزعجها ان ترى سقفا يسقط فوق رؤوس الناس؟ ان كان هناك مخالفة قانونية أليس دور المواطن يتوقف عند ابلاغه عنها للمسئولين؟ أم ترى ان دور الحكومة فى مصر قد انتهى وأننا أصبحنا نعيش فى غابة تفرض فيها الغالبية على الأقلية ما تريد؟
الخلافات بين الغالبية والأقلية موجود فى كل بلاد العالم، كما هو موجود فى بلدنا. الفارق ان هذه الخلافات لا تمس حقوق المواطن عندهم لأن الغالبية المتحضرة عندهم تضمن هذه الحقوق لأقلياتها. وأتمنى أن يأتى اليوم الذى أستطيع أن أقول نفس الشىء عن بلدى مصر وعن غالبيتها التى أصبحت تضم عناصر متحجرة القلوب والعقول. وتحية من القلب للبقية الشريفة من الغالبية المسلمة التى ما تزال تدافع عن كل مظلوم وتعرض نفسها بذلك للمخاطر.

Leave a Reply