الطوفان.. قادم

الطوفان.. قادم
  كأننا عدنا قرونا إلي الوراء، بل ربما نكصنا علي اعقابنا الي العصر الحجري ففي قرية “الشورانية” بمحافظة سوهاج اندفع الاهالي الي شوارع القرية ويبحثون عن البيوت التي يسكنها اولئك الذين ينتمون الي “البهائية” كما لو كانوا كائنات فضائية هبطت علي القرية من المريخ او الفضاء الخارجي، رغم انهم صعايدة ابناء صعايدة، ومصريون اقحاح!
  ثم بعد ان يجدوا هؤلاء “البهائيين” يقذفونهم بالطوب، ويروعون زوجاتهم واطفالهم، وفي النهاية يضرمون النيران في بيوتهم.
  ولا يتبقي امام هؤلاء سوي ان يتركوا ديارهم وارضهم وزراعتهم التي هي كل حياتهم حتي ينجوا بحياتهم!
  هذه المشاهد المروعة ليست من فيلم رعب وانما هي واقع حدث بالفعل في بلادنا منذ ايام قلائل.
  وقد حاول البعض التهوين من شأن هذا الذي حدث، او التعتيم عليه.
  و”منطق” هؤلاء يستند الي عدة عوامل.
  العامل الاول: هو انهم يقولون ان عدد البهائيين في مصر عدد قليل جداً لا يتجاوز في عموم مصر من شمالها إلي جنوبها خمسة آلاف نسمة، وهذه نسبة لا تذكر قياساً إلي أكثر من ثمانين مليون مصري.
  وهذا صحيح لكنه لا يقلل من حجم الجريمة التي وقعت، بل إنها لو وقعت في حق شخص واحد فقط لما كان ذلك مخففاً من بشاعتها.
  فنحن نتحدث عن “مبدأ”.. والمبدأ الحاكم هنا هو “المواطنة”، التي تعني أن جميع المواطنين المصريين متساوون أمام القانون بصرف النظر عن الدين أو الجنس أو المكانة الاجتماعية.
  وما حدث في حالة “الشورانية” انتهاك للدستور والقانون وحقوق الإنسان ومبدأ المواطنة لأن هؤلاء الأشخاص تم ترويعهم واضطهادهم لسبب واحد هو “عقيدتهم”!
  العامل الثاني: ان مسألة “العقيدة” في حالة البهائيين تثير جدلاً عجيباً.. حيث يبرر البعض ما حدث استناداً إلي أن البهائية ليست ديناً سماوياً، وأنه لا مكان في بلادنا إلا لثلاثة أديان لا رابع لها هي الإسلام المسيحية واليهودية.
  وهذا تبرير متهافت أيضاً لأن الاعتقاد لا مجال فيه لمثل هذه التصنيفات الأرضية والسماوية.. المهم أن هناك عددا من البشر، زادوا أو قلوا، يتبنون عقيدة ما.
  وحرية الضمير تعني أول ما تعني التسليم بحرية العقيدة، أي عقيدة.
  وعندما نقول “حرية العقيدة” فإن هذا يعني صراحة ــ وليس ضمنياً فقط ــ أننا نتحدث عن عقيدة مغايرة للعقيدة التي نتبناها، ومختلفة عنها، وربما مناقضة لها من الأساس.
  وبالتالي ليس هناك معني لأن نقول ان هذه عقيدة “سوية” وتلك عقيدة “منحرفة” أو “شاذة”.
  بل إن مبدأ حريةالعقيدة تم وضعه بالذات لحماية أصحاب العقائد محدودة الانتشار، لأنه لو كان عدد اتباع هذه العقيدة بالملايين لكانت من القوة بحيث لا تحتاج إلي حماية أصلاً.
  العامل الثالث: هو أن البهائية ربما تكون مرتبطة بالصهيونية وإسرائيل.. وهذا تبرير جاهز في مناسبات مختلفة يتكرر لتسويغ مواقف غير ديمقراطية متنوعة.
  وكثيراً ما يلجأ البعض منا لتبرير اغتيال “الآخر” معنوياً، إلي تلويث هذا الآخر وإلصاق تهم كاذبة به.
  وقد سبق لبعض من يقودون الحملة ضد البهائيين في إحدي قري الصعيد اليوم، أن برروا منعهم لعقد مؤتمر لمناهضة التمييز الديني بنقابة الصحفيين منذ بضعة شهور بأن التليفزيون الإسرائيلي حضر لتغطية هذا المؤتمر.. ثم ثبت من خلال التحقيقات أن هذه أكاذيب وفبركات وادعاءات زائفة.
  ولم يتوقف أحد ليسأل نفسه: هل إحراق قرية مصرية بمثابة عمل ضد إسرائيل أم عمل ضد مصر؟ وماذا خسرت إسرائيل بإحراق قرية مصرية وترويع مواطنين مصريين؟
  لم تخسر شيئاً، بل إنها في الحقيقة هي الرابح الأكبر، فقد كسبت إضعاف مصر، وتشويه سمعتها، ولو أنها أنفقت ملايين الدولارات ما استطاعت أن تسيئ إلينا بالقدر الذي تسبب فيه هؤلاء الذين أضرموا النار في بيوت مواطنين مصريين يختلفون عنهم في العقيدة.
  وهذا يعني أنه لا التهوين ينفع ولا التعتيم يفيد.
  بل يجب أن نصارح أنفسنا بالحقيقة المرة، وهي أن التعصب يتفشي، وأن التسامح المصري التقليدي يتقهقر، وأن منطق الدولة المدنية الحديثة يواجه تحديات متزايدة تتطلب من كل القوي الحية في الجماعة الوطنية المصرية أن تتخلي عن سلبيتها وأن تستيقظ من سباتها لمواجهة الطوفان القادم.
 

Leave a Reply