علاقة مصر بأمريكا أكبر من المعونة.. علاقة مصر بأمريكا أكبر من المعونة..

علاقة مصر بأمريكا أكبر من المعونة..

تعيش مصر وأمريكا الآن أزمة دولية حادة نتيجة التغيرات التى طرأت على الساحة بعد سقوط نظام مبارك. ولم تكن الأزمة بسبب حدوث تغييرات فى السياسة الأمريكية لم تعجب القائمين على الحكم فى مصر بل نتيجة اختلاف فى طريقة التعامل مع المواقف بين ما كان متبعا من مبارك وبين السياسة الجديدة.
المعروف ان مصر وأمريكا تربطهما علاقة ود وشراكة منذ توقيع معاهدة كامب دافيد للسلام مع اسرائيل في 17 سبتمبر 1978 بمساعدة أمريكا، والتى عن طريقها استردت مصر كل أراضيها التى خسرتها فى الحروب مع اسرائل، وحصلت اسرائيل على السلام مع مصر، وكتشجيع للطرفين وافقت أمريكا على دفع معونة سنوية للطرفين للمساعدة على بناء ما تهدم نتيجة الحروب تقدر بحوالى 2 مليار دولار لمصر. معظم المعونة فى شكل معدات عسكرية. والاتفاقية أكبر من مجرد هذه البنود وتتضمن تفاصيل دقيقة كثيرة تحكم العلاقة بين هذه الدول الثلاثة.
كانت طريقة الرئيس السابق حسنى مبارك تعتمد أحيانا على اصدار توجيهات شفوية لتسيير أمور الدولة. ومن هذه تصريحه بوجود منظمات أمريكية أهلية تعمل فى مصر وتمولها أمريكا وتعنى بتعزيز الديمقراطية وحقوق الانسان. كان الجميع يعرف وجود هذه المنظمات ولا يوجد من كان يعترض عليها لأنها كانت تعمل بعلم وموافقة أعلى سلطة فى البلد.
ولكن بعد سقوط نظام مبارك وعندما اكتشف وجود بعض هذه المنظمات قامت القيامة وتم القبض على بعض العاملين بها من المواطنين الأمريكيين ومنعوهم من العودة الى أمريكا ثم بدأ التحقيق معهم تمهيدا لتقديمهم للمحاكمة.
فجأة تأزمت العلاقات مع أمريكا وتغيرت نبرة الود التقليدى الى نبرة عداء ظهرت فى التراشق بالتهديد والوعيد. ففى أمريكا سمعنا من يهدد بقطع المعونة الأمريكية. وفى المقابل سمعنا فى مصر من يرد بعنف رافضا اذلال الشعب المصرى بسبب المعونة ومطالبا برفض هذه المعونة.
ناهيك ان من اشتركوا فى هذه التهديدات لم يكونوا الرئيس الأمريكى أو وزيرة الخارجية أو مسئول فى وزارة الخارجية بل من بعض أعضاء الكونجرس لأغراض السياسة الداخلية وارضاء الناخبين فى دوائرهم. بل ان المعونة للعام القادم مدرجة فى الميزانية الأمريكية كالمعتاد. ومن ناحية مصر كان رد الفعل من بعض الكتاب والمعلقين ومن بعض القيادات الدينية التى وجدت نفسها فجأة تمارس مهنة السياسة دون تمرس فى أصولها. من هؤلاء الشيخ محمد حسان الذى أصدر بيانا يرفض فيه المعونة ويعلن انه على استعداد أن يجمعها من فقيرات مصر البائعات المتجولات اللآتى يبعن الفجل والطماطم والبطاطس على رؤوس الشوارع.
ولكن أحدا ممن يعرف طبيعة العلاقات الأمريكية المصرية لم يهدد بقطع العلاقات مع البلدين أو يطالب بوقف المعونة فالعلاقات بين البلدين أصبحت متشابكة ومعقدة ولا يمكن فضها بهذه السهولة. أما المعونة فأساسا لم تكن قد اتفق على ان تستمر للأبد. ومن الطبيعى ان تطرأ يوما الظروف الاقتصادية التى قد تجعل أمريكا مضطرة الى تخفيضها أو قطعها. وعندما يحدث هذا لن يكون نتيجة عداء بين البلدين ولن ينتج عنه تغيير فى السياسة العامة لأن العلاقة بين البلدين تتعدى موضوع المعونة لتشمل عددا من القضايا الحيوية التى تحتاج فيها كل بلد للبلد الآخر.
واضح ان رد الفعل المصرى ممن أعتبروها اهانة ومسألة كرامة و…الخ يدل على سذاجة سياسية فالعواطف لا تدخل فى السياسة التى تقوم على الحسابات الدقيقة الباردة ومن ثم قبول ما هو ممكن وصرف النظر عن ما هو مستحيل، فالسياسة فى تعريفها هى فن الممكن. والدعوة بجمع هذا المبلغ من فقراء المصريين لن يحل شيئا سوى الاحساس بشىء من الكرامة المزيفة لأننا كلنا نعلم حالة الفقير فى مصر البلد التى يبلغ دخل الفرد العامل فى المتوسط أقل من دولارين فى اليوم، والتى يعيش نحو نصف سكانه دون مستوى الفقر.
هذا ومن المؤكد ان العلاقة بين مصر وأمريكا قد دخلت فى مجالات أخرى كثيرة ويصعب إلغائها بين يوم وليلة وخاصة فى هذه الظروف الدقيقة التى تمر فيها مصر بعد الثورة والتى تحتاج الى مساعدة كل من يقدم المساعدة. ورد الفعل عندنا يجب أن يكون تقبل المساعدة بشىء من الشكر والتقدير وليس بالتكبر والتعالى.
الجزء الأكبر من المعونة الأمريكية لمصر هو فى شكل مساعدات عسكرية لشراء امدادات السلاح وقطع الغيار اللازمة لهذا السلاح. والمعروف ان الرئيس السادات كان قد غير نظام التسليح فى مصر من النظام السوفييتى الى الأمريكى، وطرد الخبراء السوفييت العسكريين. ومن الطبيعى ان الجيش المصرى يحتاج الى التزويد باستمرار من نفس نظام التسليح وكذلك الى قطع غيار لعمليات التصليح والصيانة. وحتى اذا كانت مصر قادرة على دفع ثمن هذا السلاح فامريكا هى التى تملك حق البيع. فى المقابل أمريكا لها مصلحة فى أن تستمر مصر فى التسليح بالنظام الأمريكى ليس لأسباب اقتصادية فقط ولكن أيضا لأسباب استراتيجية.
ولكن أهم من هذا هو اعتبارات الحرب والسلام فى الشرق الأوسط ودور مصر الريادى فى المنطقة الذى لا تستطيع امريكا ان تهمله. وفى نفس الوقت حقيقة أن أمريكا هى القوة العظمى الوحيدة فى عالم اليوم بعد انهيار الاتحاد السوفييتى يجعل مصر والعرب لا يجرأون على مواجهة العالم اليوم بكل أطماعه بدون تأييد أمريكا. وهذا ما يفسر أن عددا كبيرا من القواعد الأمريكية العسكرية خارج أمريكا موجود فى البلاد العربية.
ولكن ربما أهم هذه الاعتبارات جميعها هو دور امريكا فى محادثات السلام المتعلقة بالقضية الفلسطينية. ومع ان أمريكا لا تستطيع ان تجبر الأطراف فى القضية بقبول حل معين، ولكنها تستطيع ان تستعمل نفوذها فى تشجيع الأطراف للوصول الى اتفاق.
الخلاصة أن هذا الصدع الذى تمر به العلاقات الأمريكية المصرية لا يخدم المصالح المشتركة للبلدين. وفى تقديرى انه سوف ينتهى قريبا بعد أن يتم تغليب العقل والحكمة للخروج من الأزمة بما يرضى الطرفين. هذا طبعا اذا لم يعل فوقه صوت العنترية والتشدد والتصرف الأهوج من محدثى العمل السياسى الذين اعتلوا كراسى السلطة فى مصر بعد مبارك.

Leave a Reply