مصر تعـود خطـوة , الكاتب توماس فريدمان السبت, 25 فبراير 2012 12:43

مصر تعـود خطـوة
الكاتب توماس فريدمان
السبت, 25 فبراير 2012 12:43

يبدو أن الحكومة الانتقالية فى مصر اليوم قررت للأسف إطلاق النار على قدميها. ففى يوم الأحد، سوف تقدم 43 شخصا للمحاكمة، 16 منهم على الأقل مواطنون أمريكيون، بزعم جلب تمويلات إلى مصر لتعزيز الديمقراطية من دون ترخيص. ولدى مصر كل الحق فى السيطرة على المنظمات الدولية العاملة داخل حدودها. ولكن الحقيقة هى أن هذه الجماعات الديمقراطية عندما قدمت أوراق تسجيلها منذ سنوات فى ظل حكم الحزب الواحد وحسنى مبارك، تم إبلاغها أن الأوراق سليمة وفى سبيلها للحصول على موافقة. غير أن كون هذه الجماعات مهددة الآن بعد أن أطاحت ثورة بمبارك بالسجن بسبب تشجيع الديمقراطية من دون الحصول على ترخيص، علامة مقلقة للغاية. فهى توضح كيف أن «الثورة» فى مصر لم تكتمل وأن قوى الثورة المضادة تعاود الهجوم.

وتدفع هذه الأعمال الدنيئة بالمرء للبكاء والتساؤل كيف ستتخطى مصر الأزمة. حيث يتهدد مصر نفاد احتياطى العملات الأجنبية، وانهيار عملتها، وارتفاع معدلات التضخم وتفشى البطالة. ومع ذلك فإن بعض الباقين من رجال مبارك يولى أولوية لإحالة عاملين من المعهد الديمقراطى الوطنى والمعهد الجمهورى الدولى، المتحالفين مع الحزبين الرئيسيين فى الولايات المتحدة، فضلا عن مؤسسة فريدوم هاوس، وبعض المجموعات الأوروبية. وتتمثل جريمتهم فى محاولة تعليم الشباب الديمقراطى فى مصر كيفية مراقبة الانتخابات، وحث الأحزاب على الانخراط فى العمليات الديمقراطية التى طرحها الجيش المصرى بعد سقوط مبارك. وكان الآلاف من المصريين قد شاركوا فى حلقات دراسية نظمتها هذه المؤسسات فى السنوات الأخيرة.
●●●
لقد اختلقت فايزة أبوالنجا، وزيرة التعاون الدولى المنتمية لنظام مبارك القديم، هذه القضية. كما تجسد أبوالنجا أسوأ التوجهات فى مصر خلال السنوات الماضية ــ التوجه الذى يساعد على تفسير لماذا تخلفت مصر حتى الآن عن نظيراتها: كوريا الجنوبية، تايوان، ماليزيا، البرازيل والهند والصين. وهو التوجه للبحث عن الكرامة فى الأماكن الخطأ ــ للبحث عن كرامة بعيدا عن بناء قدرة شباب مصر الموهوب بحيث تزدهر فى القرن الحادى والعشرين ــ بواسطة مدارس أفضل ومؤسسات أفضل وصناعات تصديرية وحكومات أكثر خضوعا للمساءلة. وإنما السعى إلى الكرامة بصورة رخيصة «عبر الصدام مع الأجانب».

وتلك هى لعبة أبوالنجا. وكما أوضح لى أحد مستشارى مبارك السابقين: «وصلت أبو النجا إلى ما هى فيه الآن لأنها ظلت لمدة ست سنوات تقاوم الإصلاح الاقتصادى والسياسى» متحالفة مع المؤسسة العسكرية. «كانت هى والجيش ضد الانفتاح الاقتصادى فى مصر». ونظرا لأنها عارضت الثورة مع المؤسسة العسكرية «تحاولان الآن إنقاذ نفسيهما باستغلال ورقة الوطنية».

وتواجه مصر اليوم خطرين داهمين: الفقر والأمية.فبعد ثلاثين عاما من حكم مبارك، ونحو 50 مليار دولار من المعونة الأمريكية، مازال 33 فى المائة من الرجال و56 فى المائة من النساء فى مصر لا يستطيعون القراءة والكتابة. ولكن من الواضح أن هذا أمر لا يخطر ببال أبوالنجا.

فما هى أولويتها؟ هل هى القضاء على الأمية؟ أو هى صياغة رؤية جديدة فى الطريقة التى تتعامل بها مصر مع العالم وتزدهر خلال القرن الحادى والعشرين؟ أم إيجاد مناخ إيجابى للمستثمرين الأجانب من أجل خلق الوظائف التى يحتاجها الشباب المصريون بشدة؟ لا، إنها اللجوء إلى الحجة القديمة؛ وهى أن جميع مشكلات مصر بسبب القوى الخارجية التى تريد زعزعة الاستقرار فى مصر. ومن ثم، علينا أن نسجن بعض مستشارى الديمقراطية الغربيين. وسوف يعيد هذا لمصر كرامتها.

ونقلت صحيفة «التايمز» من القاهرة أن ملف المدعى العام ضد العاملين بالمؤسسات الديمقراطية عززته شهادة أبوالنجا ــ اتهمت هذه الجماعات الديمقراطية «بالتنسيق مع وكالة الاستخبارات المركزية، بما يخدم «المصالح الأمريكية والاسرائيلية» والتحريض على «التوترات الدينية بين المسلمين والأقباط». ووفقا لهذا الملف، تهدف الجماعات إلى: «إسقاط النظام الحاكم فى مصر، بغض النظر عما هو عليه»، بينما «تعمل لحساب الكونجرس الأمريكى، وعناصراللوبى اليهودى والرأى العام الأمريكى».

والمدهش، أن ما تقوله أبوالنجا لجميع هؤلاء الشباب المصريين الذين خرجوا فى مسيرات واحتجوا وماتوا فى ميدان التحرير من أجل أن يقرروا مستقبلهم: «كنتم مجرد أدوات للمخابرات الأمريكية، والكونجرس الأمريكى، وإسرائيل واللوبى الإسرائيلى. فهذه هى القوى الحقيقية وراء الثورة المصرية وليس المصريين الشجعان بإرادتهم الذاتية».
●●●
وليس من المستغرب أن يتحدث بعض أعضاء الكونجرس الأمريكى عن قطع، معونة الولايات المتحدة للجيش فى مصر، ومقدارها 1.3 مليار دولار، إذا ما تم الزج بهؤلاء الأمريكيين إلى السجن. ولكن، علينا أن نتحلى بالصبر ونتطلع إلى أن يكون الأمر حقا كما يأمل المرء: رقصة فايزة الأخيرة وهى أن عناصر النظام القديم تستخدم آخر ما لديها من أوراق من أجل تقويض قوى الديمقراطية الحقيقية فى مصر، فضلا عن إنقاذ نفسها من خلال الظهور فى صورة حماة شرف مصر.

ويستحق المصريون من هم أفضل من هؤلاء القوم، الذين يهدرون موارد مصر الشحيحة فى وقت حرج، ويحولون الانتباه عن التحدى الحقيقى الذى يواجه البلاد. لابد من إعطاء شباب مصر ما يتوقون إليه بوضوح ــ أن يكون لهم رأى حقيقى فى مستقبلهم والأدوات التعليمية التى يحتاجونها لتحقيق النجاح فى العالم الحديث. ومن هنا تتحقق الكرامة الدائمة.

Leave a Reply