أتباع الناصرى ليسوا نصارى

أتباع الناصرى ليسوا نصارى!

يحتفل العالم فى هذه الأيام بذكرى مولد السيد المسيح. والمعروف عن السيد المسيح أنه ولد فى بيت لحم وعاش فى الناصرة ولذلك كان يطلق عليه أحيانا اسم يسوع الناصرى. ولكن من الخطأ الكبير أن يطلق على أتباع السيد المسيح اسم “النصارى” لأنهم غالبا لا تربطهم بهذه المدينة أى علاقة.
على مدى عشرين قرنا دعى أتباع السيد المسيح بالمسيحيين. والمسيحيون يعتزون بهذا الإسم ولا يرضون عنه بديلا لأنه يعلن عن إنتمائهم إلى السيد المسيح قائدهم ومعلمهم وفاديهم ومخلصهم وضامن أبديتهم. ولا يقبل المسيحيون أن يطلق عليهم إسم النصارى، لأنه اسم تحقيرى ينتقص من إنتمائهم فبدلا من أن يكون لشخص المسيح يتحول إلى مدينة فى فلسطين وهى مدينة الناصرة.

الناصرة
الناصرة مدينة تقع فى منطقة الجليل ولم تكن ذات أهمية خاصة فى الأزمنة القديمة ولذلك لم يرد ذكرها فى العهد القديم. أول ما ذكرت لمدينة الناصرة كان فى العهد الجديد حيث عاش فيها السيد المسيح معظم سنى طفولته ورجولته، ونسب إليها، كما جاء فى متى 2 : 23 “وأتى وسكن فى مدينة يقال لها الناصرة لكى يتم ما قيل فى الأنبياء أنه سيدعى ناصريا”. وكان الناس فى القديم يفتخرون بالمدن التى ينتسبون لها خاصة إذا كانت ذات صيت. ولكن من الواضح أن هذه المدينة لم تكن لها شهرة ولم تعطى السيد المسيح كرامة. بل على العكس ربما أعطت البعض مبررا للتهكم عليه كما يذكر لنا إنجيل يوحنا 1 : 45،46 “فيلبس وجد نثنائيل وقال له وجدنا الذى كتب عنه موسى فى الناموس والأنبياء يسوع إبن يوسف الذى من الناصرة. فقال له نثنائيل أمن الناصرة يمكن أن يكون شىء صالح” ولكن من الواضح أيضا أن السيد المسيح هو الذى أعطى هذه المدينة كرامة وشهرة.

خلفية تاريخية
على عكس ما هو معروف عند الكثيرين أن المسيحية ليست دينا، فلم تكن رسالة السيد المسيح أن يؤسس دينا جديدا. ما عمله السيد المسيح هو أنه أكمل مخططات الله التى تعامل بها مع شعبه فى العهد القديم وبذلك نقل الإنسان من تدبير الناموس إلى تدبير جديد يبنى على النعمة “لأن الناموس بموسى أعطى أما النعمة والحق فبيسوع المسيح صارا” يوحنا 1 : 17 وهو الذى أعلن لنا صورة الله الغير المرئى بطريقة ملموسة فى شخصه ” الله لم يره أحد قط الإبن الوحيد الذى هو فى حضن الآب هو خبر” يوحنا 1 : 18 .
وعلى عكس ما هو معروف أن المسيح لم يطلق على رسالته إسما فلم يسميها مسيحية أو نصرانية أو أى إسم آخر. فكيف جاءت هذه الأسماء ؟
أول إسم دعى به أتباع السيد المسيح هو التلاميذ. وقد أطلق أولا على الرسل الإثنى عشر الذين دعاهم المسيح (متى 5 : 1) ثم على الدائرة الأكبر وهم السبعين رسولا (لوقا 10 : 1) ثم على الدائرة الأكبر إتساعا وهم المئة والعشرين (أعمال 1 : 15) ثم إتسعت لتشمل كل المؤمنين الذين قبلوا تعاليم السيد المسيح (متى 10 : 42).
دعى أتباع السيد المسيح بعد ذلك بإسم الطريق. وهذا جاء فى (أعمال 9 :2، أعمال 19 : 23 وأعمال 24 :14) فيتكلم كاتب سفر الأعمال عن شاول (بولس فيما بعد) أنه “طلب منه رسائل إلى دمشق إلىالجماعات حتى إذا وجد أناسا من الطريق رجالا ونساء يسوقهم موثقين إلى أورشليم” أعمال 9: 2.
وبعد ذالك جاء إسم المسيحية وهو الذى لصق بأتباع السيد المسيح ولم يغيروه حتى بعدما إتسعت المسيحية وإنقسمت إلى طوائف متعددة، فكان الإسم الذى يجمعهم هو أنهم مسيحيون. هذا الإسم إستعمل لأول مرة فى أنطاكية وقد ذكره سفر الأعمال 11 : 26 “ودعى التلاميذ مسيحيين فى أنطاكية أولا”.
أما إسم “النصارى” فلم يرد فى الكتاب المقدس ولم يذكر لنا التاريخ أنه إستعمل للدلالة على أتباع المسيح حتى ظهور الإسلام فى القرن السابع الميلادى. ولكن هناك تسمية قريبة إستعملها أعداء المسيحية وكانت تستخدم للحط من المسيحية والتقليل من شأنها وهى تسمية “شيعة (بدعة) الناصريين” فقيل عن بولس أنه “مقدام شيعة الناصريين ” أعمال 24 : 5 وقد إستنكر بولس أن يسمى بهذا الإسم ودافع عن نفسه عندما قال “حسب الطريق الذى يقولون له شيعة هكذا أعبد إله آبائى ” أعمال 24 : 14.

بين المسيحيين والنصارى
كان يسكن شبه الجزيرة العربية وقت ظهور الإسلام قبائل تدين بالوثنية وأخرى تدين باليهودية ثم قبائل تدين بنوع من المسيحية يسمونها النصارى. وهى تختلف كثيرا عن المسيحية كما علم بها السيد المسيح وكما نؤمن بها اليوم.
وفى هذا يقول أبو موسى الحريرى فى كتابه (قس ونبى) “إن فرقا شاسعا بين نصرانية القس (ورقة أبن نوفل) ومسيحية اليوم. هذا الفرق أضل الكثيرين من مؤرخى الأديان”. ويضيف أبو موسى الحريرى “إن نصرانية القس (ورقة أبن نوفل) تختلف على ما يبدو عن نصرانية مقررات مجمع أورشليم المنسوبة إلى يعقوب الرسول. فنصرانية يعقوب تؤمن بإلوهية المسيح وبنوته لله وتحتكم بأحكام الإنجيل وتعاليمه وتعتقد بصلب يسوع وقيامته من بين الأموات، فى حين أن نصرانية القس ورقة وزملائه تنكر إلوهية المسيح وبنوته لله”.
ومن المعروف أن أتباع كثير من الهرطاقات التى حاربتها المسيحية قد هربوا وإستقروا فى شبه الجزيرة العربية ومن المحتمل أن يكونوا هم النواة للقبائل العربية التى كانت تدين بالنصرانية.
ولم تكن هذه النصرانية بعيدة عن قريش، القبيلة التى ينتمى لها نبى الإسلام. بل قيل أن النصرانية كانت متواجدة فى بيت محمد نفسه. ويقال أن عمه الذى رباه بعد جده كان نصرانيا ولم يعتنق الإسلام ومات على النصرانية.
والقس ورقة بن نوفل نفسه كان ينتمى بالقرابة إلى محمد وكان أصلا يدين باليهودية ثم تحول إلى النصرانية وأصبح رئيسا لنصارى مكة. ويعتقد الباحثون أن ورقة كان يدرب محمد لكى يخلفه فى منصبه، ولذلك يعتقد الباحثون أن الإسلام قد ولد كبدعة مسيحية. بل أن ورقة هو الذى قام بمراسيم زواج محمد من خديجة، زوجته الأولى، زواجا نصرانيا.

نظرة الإسلام إلى النصرانية
كان الإسلام فى بدايته متسامحا مع اليهود والنصارى وقد أطلق عليهم إسم أهل الكتاب (نسبة إلى الكتاب المقدس) وقد أوصى الله رسول الإسلام فى القرآن أن يحتكم إلى أهل الكتاب ويطلب مشورتهم “فإن كنت فى شك مما أنزلنا إليك فسل الذين يقرءون الكتاب (المقدس) من قبلك..” سورة يونس 10 : 94 والقرآن يذكر فى مواضع كثيرة أن النصارى واليهود هم المؤمنين المقبولين عند الله “إن الذين آمنوا (المسلمين) والذين هادوا (اليهود) والنصارى والصابئين من آمن بالله واليوم الآخر وعمل صالحا فلهم أجرهم عند ربهم ولا خوف عليهم ولا هم يحزنون” سورة البقرة 2 :62. ثم بعد ذلك تحول إلى تفضيل النصارى على اليهود “لتجدن أشد الناس عداوة للذين آمنوا اليهود والذين أشركوا ولتجدن أقربهم مودة للذين آمنوا الذين قالوا إنا نصارى وذلك بأن منهم قسيسين ورهبانا وأنهم لايستكبرون” المائدة 5 : 82.ثم إبتدأنا نرى القرآن ينتقد كل من اليهود والنصارى “ولن ترضى عنك اليهود ولا النصارى حتى تتبع ملتهم قل إن هدى الله هو الهدى ولئن إتبعت إهوائهم بعد الذى جاءك من العلم ما لك من الله من ولى ولانصير” البقرة 2 : 120 ثم بعد ذلك حذر من مصادقة اليهود والنصارى “يا أيها الذين أمنوا لا تتخذوا اليهود والنصارى أولياء (أصدقاء) بعضهم أولياء بعض ومن يتولهم منكم فإنه منهم إن الله لا يهدى القوم الظالمين” سورة المائدة 5 :51 ثم وصل الأمر إلى نعتهم بالشرك وتكفيرهم “وقالت اليهود عزير إبن الله وقالت النصارى المسيح إبن الله ذلك قولهم بأفواههم يضاهؤن قول الذين كفروا من قبل… إتخذوا أحبارهم ورهبانهم أربابا من دون الله والمسيح إبن مريم وما أمروا إلا ليعبدوا إلها واحدا لا إله إلا هو سبحانه عما يشركون” سورة التوبة 9 : 30 – 31 .
خلاصة القول أن النصرانية التى كانت متواجدة فى شبه الجزيرة العربية قبل الإسلام والتى أيدها الإسلام أولا ثم ما لبث أن أدانها وحاربها – هذه النصرانية تختلف تماما عن المسيحية الحقيقية. فعلى سبيل المثال النصرانية تشرك بالله وليس كذلك المسيحية. كما أن النصرانية تؤمن بثالوث غريب يتكون من الله الآب والله الأم (العذراء مريم) والله الإبن (سورة المائدة 5 : 116) وليس كذلك المسيحية.
ان تسمية المسيحيين باسم النصارى لأن السيد المسيح عاش فى الناصرة هى كمن يسمى المسلمين فى العالم “مكيين” لأن نبى الاسلام كان من مدينة مكة.

Leave a Reply