سيد القمنى العنوان : قبل الفزع الأكبر (2

سيد القمنى

العنوان : قبل الفزع الأكبر (2)

عدد الصفحات : 3

عدد الكلمات : 1,982

كان مفترضاً أن يبدأ هذا الموضوع من قاع اليأس المطبق وسرقة الثورة لصالح العسكر والإسلاميين كنت قد بدأته هكذا “مصر التاريخ والجغرافيا تجهز كفنها هذة الأيام لإعلان ختام وجودها ، مصر تجهز نفسها للخراب وإلى الأبد مرة واحدة . لتصبح بعدها درساً عابراً فى كتب التاريخ بالمدارس الإبتدائية مصر ،عسكرنا قرروا أن تخوض مصرانتخابات نيابية بدون دستور حاكم لهذة الانتخابات ، مصر ستخوض انتخابات ما بعد الثورة بوجوه ما قبل الثورة المتحالفين مع أشد اللحى كراهة ومقتاً. مصر ستخوض انتخابات بنظاميين لا يلتقيان بالقائمة النسبية والفردى معاً ؟ والأفدح أن عسكرنا ولحانا عندما اخترعوا هذا الأبتكار ، لم يأخدوا من النسبى والفردى سوى أسوأ ما فيهما وبأقسى الوجوه ديكتاتورية عسكر و إسلاميين . الانتخابات النيابية هى الآن ساحة لتكتل كل عوامل الفرقة فى المجتمع ، انتخابات لن يكون الصوت فيها للصالح العام والنهوض بالوطن وبمستوى معيشة المواطنين ، إنما سيكون للنفع والصالح الشخصى أو للجماعة أو لفريق دون فريق ولطائفة دون غيرها . انتخابات من نوع هجين ناتج تلاقح تآمرى لتدمير مصر ، انتخابات صراعية قبلية وطائفية ومافيوية ، لم تسبقها محددات قانونية فى مفردات واضحة قاطعة بشروط مرتبة فى دستور شارك فى وضعه المجتمع كله ، يمنع ويعاقب أى اعتداء على الحريات أو أى إدخال للدين أو الطائفة فى المشترك الإجتماعى العام” .

وفى الموضوع السابق كانت المرارة والعلقم تملأ الشارع والأرض والبحر والنفس، بحيث لا حل إلا ما قلته “لتنفجرى يا مصر غضباً حتى لا تذهب غرغرات موت شبابنا هباء وعبثاً وحتى نستحق ما قدموا بأجسادهم وحياتهم التى لم يعيشونها وقوداً وقرباناً على مذبح الطريق نحو النور” وتصورنا جميعاً أن ثورة مصر قد أجهضت وأن كل أحلامها ومطالبها وأشواقها كانت حملاً كاذباً وحلماً جميلاً تحول إلى كابوس الفزع الأكبر من حلف العسكر الإسلامى وخراب مصر.

أرادت ثورة الغضب شيئاً غيرما يحدث الآن من عبث بمصير بلدكم مصر ، ارادت دستوراً واضحاً يحمى كل مواطنيها ويكفل لهم أمنهم وحريتهم بما لا يسمح بأى صراع أجتماعى بين فرقاء لم يحصلوا على أنصبة متساوية ، دستوراً يحظى بإجماع المواطنين بمختلف تكويناتهم ، حتى لو جاءت الحقوق على التساوى أقل من التمنى للجميع بقبول من كل أطياف المجتمع . أن يكون دستوراً لكل مصرى وليس لغشم أغلبية متسلطة وقاهرة ، وحتى لا تنعزل الأقليات داخل معابدها وهو الحادث الآن فى استقطاب طائفى كرية ، وحتى لا تتضاعف الصرعات الداخلية نتيجة تحيز الدستور لطبقة او لجماعة أو لطائفة أو لدين ، فإن تمت إقامة دستور بما يخالف هذة الشروط فإنه سيكون غير شرعى ولا يحمل الصفات الواجب توافرها حتى يحمل اسم دستور .
كرة أخرى تفاجئنا مصرنا أنه كما بين أولادها أتباعاً لأشد البلاد و الأيديولوجيات كراهة لمصر، فإن بينهم صناع الثورة الأوائل والأصلاء الذين نزلوا فى 25 يناير الغضب، وقد عاد هؤلاء الشباب الوعى الراقى ليثبت أن مصر دوماً خارج التوقعات. تصورنا مصر على بوابة سكة الضياع فإذ بشبابها يأخذون علمها بأيديهم ويعيدوننا إلى المربع الأول يستردوا ثورتهم ويعيدون ترتيب أوراق اللعبة السياسية فى مطالب واضحة مرتبة قالوها فى بداية الثورة وخانهم فيها الوكيل الذى وثقوا فيه، إن مصر تنتقل من بروفة الثورة إلى الثورة .

متابعة الموضوع

إن تحيز المادة الثانية والإصرار عليها بحسبانها مادة أبدية فوق دستورية تركب أى دستور الآن أو غداً ، هو تقنين للصراع المجتمعى ويصبح الدستور مفككاً للمجتمع بدل أن يكون ملاطة اللاصق عن رضى من المواطنين ، إن دستورا تظل فيه هذة المادة المتفجرة هو مؤامرة على الوطن والمواطنين وعلى وجودنا ذاتة .

إعمالاً لما سلف فإن إصرار الإسلاميين على موافقة الدستور للشريعة الإسلامية ، وأن يكون طائعاً لها منفذاً لأوامرها ، فهو ما يعنى بداهة عدم صلاحية هذا الدستور للطرح فى استفتاء شعبى لقبولة أو رفضة ، لأن ما هو دينى لا ينتظر الموافقة والقبول العام ، ولا يصح أن يكون الدينى محل اقتراع و استفتاء ، فهو ليس بحاجة للموافقة ، والناس لا تقول رأيها فيما يقول الله ولا يصح لها ذلك ، وأيضا لا يصح أن يوضع الكلام الدينى أمام العوام ليقولوا رأيهم فيما شرع الله ، لأن الله قد الجم العوام عن فهم الشرع و مقاصدة ، وأتاح لكل من أطلق لحيته أن يقول فى الشرع ويفتى ويتفيقة ، بقرار حجة الإسلام الإمام ابو حامد الغزالى فى كتابه ( إلجام العوام عن علم الكلام ) ، ولأن من سيرفض فى الاستفتاء الموافقة ، يكون قد رفض ما هو دينى وخرج على الدين وكفر به ، والإسلاميون قبل أن يركبون أصدروا الفتاوى موجه تجرى ورا موجه تكفر المسيحيين و الشيوعيين والليبراليين والبهائيين والشيعة والبهرة والقاديانيين والقوميين ، فلا شك أنهم عندما يركبون سيوفون بالعهد وينفذون فى هؤلاء أحكام الشرع .
وإذا كانت المادة (2) تعنى ضرورة الرجوع عند صياغة القوانين إلى نصوص الإسلام فى هذا الشأن المعاصر للعثور على شبيه له فى لفائف تاريخنا المحنط لاستخراج الحكم الشرعى ، بحيث تنبثق القوانين عن الشريعة حتى تكتسب القوانين المشروعية الدستورية بموافقة مادته الثانية ، فإنه وفق هذا المعنى وبتطبيق هذة القاعدة على عملية وضع مواد الدستور نفسها ، سنجد أن الدستور بذاتة غير شرعى بكاملة و باطل من أساسه ، لانه عند وضعه لم يتم هذا الوضع انصياعاً لأمر دينى شرعي ورد فى آيات أوأحاديث، لأنه يوجد فى إسلامنا شيئ إسمه الدستور حتى نصوغه متوافقاً مع الشريعة ، فيه شريعة فقط دون دستور ، ليس فيه أية توجيهات أو تحليل او تحريم دينى يختص بالدستور ، هو شئ غريب على الإسلام ، ولا توجد بشأنه فتوى مجمع عليها وتستند إلى نص قدسى أو حتى إلى سابقة أصولية.

وإذا كان الدستور سيتم وضعه من قبل لجنة سواء من أعضاء مجلس الشعب او من خارجه من أخصائيين فى الفقة الدستورى ، فإن كل هذه لا توجد بها أية آليه دينية موحى بها ، وستتم دون الرجوع إلى ” مبادئ الشريعة ” لأنه ليس بها ما يوضح لنا كيف نضع دستوراً ، ولو جاء بعدها المشايخ ليرصوا ما يريدونه ” مبادئ للشريعة ” ، فسيكون واضعوه هم بشر ، لأنهم لا يحملون وحياً مهما اتخذوا من من لحى مروحية أو تسموا بأسماء موحية من قاع القبيلة الجاهلية سواء أبو القعقاع أوابن حزنبل ، ومهما مثلوا علينا دور الملائكة الأطهار وتزيوا بسمت الأنبياء ، ستكون عملية بشرية بالتمام ، فكيف سيكون والحال هكذا أن نطمئن إلى أن مواد الدستور ستكون موافقة لمبادئ الشريعة المصدر الرئيسي للتشريع ، الإجابة هى أن الخلل فى الأدوات نفسها ، فالدين يفترض أن يتم التعامل معه بالمنطق الدينى وحده وبآلياته ، والدنيا والسياسة يتم التعامل معها بمنطق السياسة وبكل نزعات البشرية ، وبآلياتها وحدها ، وآليات وضع الدساتير غير موجوده فى ديننا ولا فى أديان غيرنا ، وفى الدساتير لا وجود لديننا ولا لأديان غيرنا.

كى يستقيم الأمر للإسلاميين عندما يصوغون الدستور ، فلا بد أن يضيفوا مادة ملحقة بالمادة الثانية ، تعلن بوضوح أن الدستور قد تم وضعه وفق آليات توافق عليها الفقهاء وبأصول وضوابط توافقت عليها الشريعة باختلاف فرق المسلمين ومذاهبهم . وهو ما سيكن كذباً مفضوحاً وشريراً ، لكن لأنهم طوال الوقت يكذبون فى شؤن الدين والدنيا ، فلا نستبعد أن يفعلوها لأن هناك كذباً مطلوباً وهو ما يكون فى سبيل الله ، لذلك يملأون عقول أهلنا بالأساطير من بسطاء القرى والنجوع ( وهم القوة التصويتية الكبرى ) ، ويسوقون المضحكات من الأكاذيب فى كل فضائياتهم ، محتسبين أجرهم لله بينما هو أجر ممصوص من دم فقراء المسلمين الذين هم الزبون الدائم لمشايخ زماننا .
إن أول طعن على الدستور الذى سيصوغه الإسلاميون كدستور لدولة إسلامية ، أنه لم يتم وضعة وفق مبادئ الشريعة الإسلامية المصدر الرئيسى للتشريع ، وإنما وضع بطرق ديمقراطية وتصويت و استفتاء وصناديق اقتراع ، وكلها ذات أصول وثنية ، بينما تم استبعاد الإسلام تماماً فى هذة العملية برمتها.

دستورك يا مصر إن تم وضعة هكذا ، مع الكذب والتدليس وركوب الدين و امتطاء الشعب الذى يزايد فى تدينة على الدنيا كلها ، ويرتكب كل المفاسد الممكنة والمستحيلة فى ذات الوقت ، هو دستور باطل قبل ولادته ، هو جنين مشوه يحمل فى مورثاتة الجينية شراً مستطيراً يهدد وجود مصر على خريطة المعمورة ، جنينكم به عيوب خلقية تصيبه بالعته المنغولى مع الحول التاريخى فيحتوى كل بذور الزوال الممكنة .

ورغم كل هذا الوضوح فى عدم التقاء السياسى بالدينى فإنهم يستميتون عند المادة الثانية ، فهل ذلك الهدير نابع من تقوى وإيمان صادق بمحارم الدين ؟ هل دوافعهم تقوم على تحرى الصدق والمساواة والعدالة والحرية بكل مستوياتها ؟ ولا تصدر عن هوى السلطة وبهرتها ، وعن منافع وأهداف لفرد أو جماعة دون بقية المجتمع ، وتستخدم الدين وإيمان الناس ركوبة للوصول إلى السلطة المطلقة برعاية السماء ؟
فإذا كان الشأن شأن إيمان حقيقى فلا بد أن يكون الدستور إسلامياً حقاً وصدقاً من الفه إلى يائه مبنى ومعنى ، واضح الدلالات لا تحمل لبساً فى تفسير مبناه . وأن ينتهى وضعة دون المرور بخطوة الاستفتاء لأنه كما أوضحنا لا يصح ولن يصح ، الاخذ برأى الناس فيما يرى الله . سيكون الرفض كفراً . وبذلك يصبح الدستور المفترض أنه لحماية الحريات وحقوق المواطنين ، هو أعظم أدوات الإكراه وعلى الناس ان تقبله طوعاً أو كرهاً ، لأنه حتى الظواهر الكونية قد أتت الله طوعاً وكرهاً فما بال الإنسان الغر المفتون ؟!

هل هناك دليل على ما أقول إن المادة الثانية تسقط حرية القبول والرفض وتلجم الناس عن ممارسة حرياتهم ؟ أكثر الشيوعيين و الليبراليين يصدرون الإعلانات التى تؤكد تمسكهم بالمادة الثانية حتى لا يتهمون بالكفر والوقوف فى وجه الشعب المؤمن الذى يريدون اصواته . فيخسرون مرتين ، الأولى عندما يكون اعترافهم للخصوم مؤديا لحصول الخصم على أعلى الأصوات المقترعة عدداً ، والثانية بتنازلهم المرتعب للمادة المدمرة بالمخالفة لمبادئهم المعلنة كطريق لخلاص الوطن ، وهى خيانة لا لبس فيها للمبادئ والقيم العلمانية .

أنظروا .. مادة دينية واحدة ألجمت حتى أصحاب المبادئ الرفيعة المفترض ألا يستحون من قيمهم الراقية ، مادة واحدة خروا لها ساجدين وهى تلقف كل سعيهم المخلص ونشاطهم الوطنى وتاريخهم النضالى لتضيفة إلى رصيدها . فماذا عندما يتم وضع دستور كامل ضمن هذة المادة ، مع هكذا رعب يخلخل الركب على على بقائنا فى ساحة الفعل التاريخى ، كان الطريق السليم هو الصدق مع النفس ومع القيم العلمانية الراقية و أن يواجهوا المونستور المرعب قبل أن تنبت له أنياب …. بدلا عن ذلك وقعوا له مستغفرين .

هذة حالة نموذجية واضحة لما نصر عليه لإلغاء هذة المادة الحمقاء ولا تجد من يداويها ، لقد ألغت مادة واحدة الموقف الحقيقى الحر لكل هؤلاء المعترفين بها فى طواعية مثيرة للشفقة والغيظ معاً.

لم يخض أحد معركة المادة الثانية مثلما فعل العبد لله منذ اهتمت كتاباتى بالشان السياسى ، فمنذ ما يزيد عن العشرين عاماً وحتى اليوم ، قدمت كل البراهين والدلائل والقرائن التى تدين هذة المادة الغير دستورية فلا هى فوق دستورية ولا هى دستورية ولا هى تحت دستورية ولا علاقة لها بالدول والدساتير . ولم تسقط مادتنا الكارثة لانه لا أحد من زملائى قرر أن يقف إلى جانبى ، ألا ترون حزب المصريين الأحرار يعلن فى دعايتة الانتخابية بالفضائيات أنه هو الحزب الذى وافق على المادة الثانية ، وهو الحزب الذى يرتبط عضوياً بالمهندس ورجل الأعمال البارز نجيب ساويرس ، فأى رعب ، و أى خناً ، وأي صغار مهين ؟

إعطونى بعد ذلك سبباً واحداً يضع أى انتخابات او استفتاء أو دستور أو أى مجالس فى موضع الشرعية !! إنها تمثلية بائسة مخزية فى حق ثورتنا المجيده ، وفى حق وطننا ، وفى حق أولادنا الذين سنتركهم فرائس فى مجتمع قرر بكامل مزاجه وعلى كيفيه أن يخرج من ساحة الوجود التاريخى ، الكل يقفون وضمنهم من هم فى فريقنا يؤدون سلام ضابط عظيم للمادة (2) ، رغم أن هؤلاء الضمن من فريقنا هم كفار زنادقة مارقين ملاعين يجب تطهير الوطن منهم ، وذلك فى فضائيات الإسلاميين وصحفهم وفتاواهم وشعاراتهم وفى بوسترات ومظاهرات مليونية وبقرارات شارك فيها الجميع حتى أزهرنا المبارك . فلماذا زملائى الكرام تعطون الدنية فى علمانيتنا ونحن الأعلون قيماً وفعلاً وقولاً وعشقا في مصرنا ؟ وأنتم مدانون عند إسلاميينا وجمهورهم على أى وجهه من الوجوه ، أينما كنتم يدرككم التكفير رغم أنكم أديتم البيعة للإسلاميين بالموافقة على مادتهم المصيبة دون دعوة ولا سوقاً بالزواجير.
فى تلبيس يلبس علينا أبالسة الإسلاميين بنزولهم المعترك الانتخابي و أنهم سيمارسون العملية الديموقراطية والانتخابات والاستفتاء على الدستورحتى يمكنهم تطبيق الشريعة ، وهى كلها آليات لا علاقة لها بشريعة أو بإسلام ، وبعد ذلك سيجعلونه دستوراً شرعياً مهمته حفظ حقوق الله بتطبيق حدوده وتحقيق رغباته ، يستخدمون آليات الغرب الطاغوتى الديمقراطى الموضوعه لتحقيق حقوق العباد من أجل تحقيق حقوق الله الذي هو بغنى عنا وعن العالمين ، و أمام الأليات الديمقراطية الممتضفرة مع الأهداف الدكتاتورية تتاكد حقوق الله وتضيع حقوق عباد الله .

Leave a Reply