لماذا يريد البعض اعتذار الأقباط عن عدم الوجود ؟

مقال مدحت بشاي الاسبوعي بمجلة المصور
لماذا يريد البعض اعتذار الأقباط عن عدم الوجود ؟ !
مدحت بشاي

إن الدماء التي سالت على أسفلت كورنيش النيل ، نتحمل جميعنا ذنب سفكها ، بجهالة وغباوة وطائفية مقيتة .. جميعنا تشارك في الدفع نحو أحداث الأحد الدامي .. الكاهن والإمام .. إعلام حكومي وخاص .. إدارة حكومية فاشلة على المستوى المركزي وفي المحليات .. مؤسسات تعليمية في مراحلها الإلزامية والجامعية .. مؤسسات ثقافية فاقدة الرؤية للدور المجتمعي ، وأخيراً نخبة تائهة انتهازية تنتظر فقط فرص القفز على الكراسي ، فإذا حصلوا عليها فعلوا ما فعل أسامة هيكل !!!!!
لقد حفل تاريخ الحياة السياسية والبرلمانية بعدد هائل من رموز وطنية مسيحية منذ عام 1866 وحتى عام 2010 مثل النواب : جرجس برسوم ، والمعلم فرج عمدة دير مواس ، وويصا واصف رئيس مجلس النواب 1934 والذي أعيد انتخابه أكثر من مرة ، وسنيوت حنا عضو اللجنة التشريعية للحزب الوطني القديم عام 1913 وصاحب المقولة الشهيرة ” الوطنية ديننا والاستقلال حياتنا ” والبابا كيرلس الخامس عضو مجلس الشورى والذي أعلن أن الإنجليز يمثلون مكمن الخطر على أقباط مصر ، وفخري عبد النور المجاهد الوطني الذي واتته المنية وهو يقدم 3 استجوابات هامة وخطيرة تحت قبة البرلمان .. ووصولاً إلى منير فخري عبد النور سكرتير عام حزب الوفد السابق ووزير السياحة الحالي ، والقمص بولس باسيلي أول وآخر كاهن يدخل البرلمان بالانتخاب الحر المباشر .. وعليه فحكاية التركيبة الجينية القبطية والامتثال الكهنوتي الذي قد يحول دون المشاركة السياسية مجرد افتكاسات لا يمكن اعتمادها ، أليس كذلك ؟!
، وأناشد من ينادون بضرورة مقاطعة الانتخابات القادمة احتجاجاً على أحداث ماسبيرو أن يتراجعوا ، فلو كان حافز المشاركة هاماً قبل تلك الأحداث ، فإنني أراها أهم بعد وقوع تلك الأحداث .. ولكن يتبقى الوقوف عند بعض الخواطر وعلامات الاستفهام التالية التي أطرحها من واقع تاريخ الممارسة السياسية للمواطن المصري المسيحي :
◄ يسألني قبطي هل ثبت ـ وبالدليل القاطع ـ أن التركيبة الجينية للمواطن المسيحي لا تؤهله بأي حال من الأحوال لممارسة العمل الحزبي والبرلماني والسياسي عبر آلية ديمقراطية منضبطة باحتراف ؟!
◄ هل يرجع سبب اختفاء المواطن القبطي تحت قبة البرلمان إلى طبيعة تربيته الروحية في مدارس الأحد بإدارة نظام كهنوتي يعتمد منهج ” على ابن الطاعة تحل البركة ” والطاعة ليست بنت الديمقراطية ولا تشبهها ، حتى لوكانت البركة من بين ثمار الديمقراطية ؟!
◄ أم لأن النظام الكهنوتي نظام راسخ ومستقر لا يسمح بوجود أي آلية لتبادل السلطة الكنسية ، فالكرسي يُفقد فقط عند صعود روح صاحب الكرسي إلى خالقها في ملكوت الرحمن ، وعليه فلا قبول بقيم تذهب إلى آلية تبادل السلطة ؟!
◄ ويبقى السؤال لماذا تشهد مواسم الانتخابات حالة من التودد والتعاطف وإطلاق الوعود من جانب الأحزاب لرموز الأقباط ومرشحيهم قبل/ ومع بداية تلك المواسم ، وبالتدريج ينصرف الجميع عنهم ، بعد اللعب بالورقة القبطية ، لينتهي المشهد بالعودة للمربع الأول ومحدودية الوجود البرلماني للأقباط ؟!
◄ لماذا تشهد ساحات الانتخابات منذ بداية الإعداد لتنظيم عملياتها ، وحتى ظهور النتائج حالة من تراجع الوعي الوطني مع حكاية التمثيل السياسي للأقباط من جانب كل التيارات السياسية ، بشكل لا يتناسب مع شعب له تاريخ برلماني عتيد وعظيم ؟!
◄ ويظل الأقباط يسألون : لماذا يتم تشريع قوانين خاصة للأقباط في غياب نسبي لممثلين لهم في البرلمان ، كقوانين الأحوال الشخصية ، وتنظيم بناء دور العبادة ، والتمييز الديني … الخ ، حيث يرون أن لها خصوصية تتعلق بشأن قبطي خالص ؟!
إن قراءة منصفة في دفتر الوطن وملفات الممارسة النيابية ، تذهب بنا إلى حقيقة أنه كلما حصل الأقباط على حقوقهم تحقق للبلاد والعباد المزيد من الإنجازات الوطنية .. وعليه أستأذن القارئ تعقيباً على تلك الأفكار والمظنات التوقف عند الأمور التالية :
◄ هناك دراسة صادرة عن مركز الأهرام للدراسات السياسية والاستراتيجية عن الوعي السياسي للمرشحين ، خرجت بنتائج تؤكد على أن بعض المرشحين لا يدركون المعنى الأهم للمشاركة السياسية ، ولا يدرون آليات العمل البرلماني ، ولا برنامج الحزب المرشحين على قوائمه ، فإذا أضفنا أن هناك اختيارات على أساس الهوية الدينية ، فالأمر يحتاج إلى مراجعة ووقفة إزاء كل ممارساتنا ذات العلاقة بتفعيل الديمقراطية ..
◄ هل يعي المواطن المسيحي أن مفهوم المشاركة السياسية والمجتمعية لا يقتصر فقط على التفاعل مع صندوق الانتخابات ترشيحاً وتصويتاً ، وإنما يمتد ليشمل المشاركة في عضوية الأحزاب السياسية والجمعيات الأهلية والسياسية والثقافية ؟!
◄ إلى المواطن المصري المسيحي رسالة : لابد من رفع سقف طموحاتك في الحصول على كل حقوق المواطنة الكاملة ، وفي المقابل المشاركة الوطنية والسياسية باعتبارك مواطناً مصرياً ، وليس من منطلق طائفي ضيق ..
◄ عليك عزيزي المواطن المسيحي التفاعل والتشابك الإيجابي المجتمعي والوطني ، لتحقيق التواصل مع أبناء الحي والقرية والمدينة ، لقد كان المواطن القبطي في العشرينات والثلاثينات من القرن الماضي يرفض العمل الوطني بصفته القبطية ، وكان هناك اندماج مجتمعي للشريحة القبطية .. عندما تم اغتيال الإمام حسن البنا ، بادر بالمشاركة في الجنازة القطب الوفدي المسيحي مكرم عبيد ..
◄ ورغم دعوتنا للمشاركة الوطنية القبطية ، لا ينبغي إنكار أن هناك معوقات كثيرة تجهض المشاركة السياسية للأقباط في مصر ، تتمثل في المناخ الطائفي ، وتديين الحركة السياسية ، والفهم غير الصحيح للمواطنة الحقيقة ، والإخلال بمبدأ تكافؤ وتساوي الفرص بين المواطنيين ، فالحديث عن المواطنة شيء والتطبيق العملي على أرض الواقع شيء آخر ..
◄ لقد كان تغييب الأحزاب بمختلف توجهاتها للمواطن القبطي في كل الانتخابات عبر العقود الأخيرة بدعوى أن ترشيحه لتمثيل الأحزاب مقامرة خاسرة ، ولا ينبغي التضحية بدوائر بدعوى التأكيد على مظاهر الوحدة الوطنية ..
◄ لا شك أن مما يزيد من معاناة المواطن المصري بشكل عام ، والمسيحي بشكل خاص الموافقة على إنشاء أحزاب بمرجعية دينية .. لقد أذهلني قول المستشار طارق البشري ” لقد وافقنا على أحزاب بمرجعية دينية ، ولكن رفضنا أن تميز تلك الأحزاب الناس على أساس ديني ” .. حد فاهم حاجة ؟!!
◄ لقد كان على المواطن القبطي في ظل النظام البائد الذي يرغب في ممارسة العمل السياسي أن ينتظر الهبة السلطانية في أمر ورود اسمه في قائمة المعينين في مجلسي الشعب والشورى ، رغم ما تحمله فكرة التعيين السلطانية من مهانة ، حيث من العجيب أن يختار السلطان من يراه يصلح نائباً عن الشعب بقرار يتخذه الحاكم بالنيابة عن الشعب ، فيكون أمر ولائه للحاكم الذي منحه الكرسي ، وليس للشعب تحت قبة البرلمان !!!!
◄ بفزاعات التيارات الإسلامية المتشددة ، ظل سلاطين الحكم قبل اندلاع ثورة يناير يؤكدون أنهم وحدهم من يحمون الأقباط ومصالحهم ، وهو ما بات محل ريبة تصل أحياناً إلى حد اليقين ، عقب ما كشفت عنه وثائق تم الإفصاح عنها من مباحث أمن الدولة تشي بتورط وزارة الداخلية المصرية في عملية تفجير كنيسة القديسين في الأسكندرية .. وبعد الثورة تمت الموافقة على عشرات الأحزاب الدينية وأيضاً التي تنتمي لفلول الحزب الوطني .. مسكين المواطن المسيحي ، فأمر حضوره في الحياة السياسية بات أكثر صعوبة !!!!

Leave a Reply